أعيدوا لي الآن أمِّيَتي

المقاله تحت باب  نصوص شعرية
في 
12/09/2007 06:00 AM
GMT



سلمتَ من الحبرِ يا صاحبي‏

وأمَّا أنا فأبتليتُ به‏

كتبتُ/كُتِبتُ‏

وها أنا أندَمُ..‏

أني تعلَّمتُ يوماً‏

وأني قرأتُ كتاباً‏

فكم أتعبتني دروبُ المدارسِ؟.. أتعبني أصدقاءُ الطريقْ‏

فعدتُ بنعلينِ مخصوفَتينِ‏

وثوبٍ ترقعُهُ الحادثاتُ‏

وعدتُ لذاكرةٍ لم تجد نفسها‏

بين أنقاضِ بيتٍ وبيتِ‏

*****‏

سلمتَ من الشعر يا صاحبي‏

فهو علَّمنا أن ندخِّنَ‏

حتى تجيء القصيدة‏

وإذ لا تجيء فنسعُلُ مُختَنقينَ بأحزاننا‏

أعيدوا لي الآن أميِّتي‏

أعيدوا لي الآن بدويْ‏

وماشيتي والصحارىْ‏

وفزاعتيْ والحقولْ‏

أعيدوا لي الآن ما تشتهونَ من الضائعاتِ‏

سأقبل!!‏

على أن يكون الذي سيعود إلى حوزتي أولاً...‏

كلُّ أميِّتي ثم ما تشتهون‏

وتبَّاً لكلِّ المعارف‏

ترجزُ مابين أنياب من ظفروا بالحروبْ‏

وتبَّاً لكل الأناشيدِ‏

تنشدُ عند وقوف الملوك على موتنا‏

وعند وقوف الذي لا يراهن، أي الأناشيد أجملْ‏

وتباً لكل القصائد‏

إذ لا تباع كلوحةِ رسَّامنا في المعارضْ..‏

ويبقى على الشاعر الفذِّ أن لا يمدّ يداً ويعيشْ‏

وتباً لكلِّ الذين يظنون أنفسهم مؤمنين بنجمٍ بعيدٍ‏

يعودُ يطببُ أحزانهم‏

ويحني البيوتَ بحنّائِهِ‏

وحناؤه من رماد‏

وتباً لمن قد أفاضَ على همِّنا‏

بالكلامِ النبيلِ‏

*******‏

سلمتَ من الشعرِ يا صاحبي‏

وأما أنا فتعبتُ‏

وآمنتُ بالخوفِ بالصمتِ بالخرسِ الأبدي‏

وتبتُ‏

ولستُ الذي يحتمي بصديقٍ ولستُ..‏

تعبتُ وكنت أظنُّ الكتابةَ خيراً‏

إلى أن كتبتُ‏

وكنتُ أظنُّ القصيدةَ ربَّاً‏

ولم يرزق الربُ عبداً‏

وها قد كفرتُ‏

رعيتُ الكلام وقطعان ماشيةٍ في حقولِ المعاني‏

وبددتُ كلَّ الأغاني‏

وكانت خرافي تُرافقني‏

وتسترقُ السمعَ حين أقولُ القصيدةْ‏

وكانت خرافي سمينةْ‏

دخلتُ المدينةْ‏

وصلتُ إلى القصرِ‏

عند الأميرِ‏

وفي حضرةٍ من جلالٍ بهيٍّ وقفتُ‏

لأمدحَ مولايَ‏

كان أبو الطيب المتنبي‏

على طرفٍ من لسانيْ‏

وكان حبيبٌ يلقنني بالمعاني‏

فكم بيتَ شعرٍ حفظتُ؟؟‏

وإذ بالخراف التي كنتُ أطربها في الطريقْ‏

غدت شعراءْ‏

وألقت بأصوافها والجلودْ‏

وإذ بالأمير استدارَ بسحنتهِ نحوها‏

وأصغى لها‏

فصرختُ:‏

-أنا يا أميري!! أنا الشاعر العربيُّ وهذي...!!‏

وأومأ لي ظلُّ سبابةٍ .. فصمتُّ‏

وباشرتِ المدحَ كلُّ الخراف‏

وكان الأميرُ بها طرباً‏

والقصائد شعري الذي قد نظمتُ‏

*******‏

سلمتَ من الشعر يا صاحبي‏

وأما أنا ما سلمتُ‏

ألم تشهد الحزن في مقلتي؟‏

ألم يشهد الآخرون علي؟‏

وأعلم أن ليس منهم يدٌ قادرةْ‏

وأعلم أنهم الآن لا يملكونَ رجوعَ الزمانِ‏

ومثلي يُطالبهم أن يُعيدوا له المستحيلْ‏

******‏

سلمتَ من العلم يا صاحبي‏

أباركُ أمَّكَ إذ أنجبتكَ بريفٍ قصيٍّ‏

ولم تسع يوماً إلى المدرسةْ‏

فما نفعُ أن يغرقَ المرءُ بين الحروفِ‏

وبين كثير من الأسئلةْ‏

وتمضي السنونُ عليه‏

تعلَّمْ... تعلَّمْ... تعلَّمْ!!!‏

فسوف تكون كسحليةٍ‏

تصعدُ الآن سلمَ دائرةٍ للحكومةِ بائسةٍ..‏

تعلَّمْ..!‏

وسوف تجوعُ من العلم والشعر‏

سوف تُساقُ لكي تتظاهرَ‏

تشجب مستنكراً والجماهيرُ تشجبُ‏

تصرخُ تصرخُ!!‏

تحمل لافتةً لا تعي ما يرادُ بمضمونها‏

وصورةَ من حكموكْ‏

سترفعها فوق رأسكْ‏

لماذا تردُّ لهم دينهمْ؟‏

فهم علَّموكَ وهم ألَّفوا قلبَكَ الصلدَ‏

ولم تحفظ العهدَ أنكرتَ كلَّ المكارم والفيءْ‏

وأنكرت تقبيلَ كفِّ المبجلِ... أنكرتَ... أنكرتْ‏

وها أنت دوماً تجرُّ إلى المعركةْ‏

فأنتَ الذي ستكون الشهيدَ على جهلهِ‏

ماتَ من أ جلِ أنهم علموهْ‏

********‏

سلمتَ من الحبِّ يا صاحبي‏

فحمداً لقلبك حين تزوجت بامرأة من قُراك‏

وباركَ ربُّك، لم يكن الحبَّ مفتاحها‏

فلا امرأةٌ في زمانكَ‏

إذ ما أحبَّتْ أصيبت بداءِ الوفاءْ‏

ولا الحزنُ حزنُكَ حين تُحبُّ‏

وتبكي وأنت تظنُّ الحبيبة قد شاركتك البكاءْ‏

سلمتَ من الحبِّ أنت على الأرضِ أرضٌ‏

وأمَّا أنا..‏

فنصفي أرضٌ ونصفي سماءْ‏

تقاسمني الحبرُ والحبُّ‏

ضاع اتجاهُ السحابة‏

تمطر حبراً وتمطرُ ماءْ‏

*****‏

سلمتَ من البيع يا صاحبي فاحمد الله‏

فإن الذين يباعون في عصرنا من عبيدٍ‏

هم من تملّكهم حرفهمْ‏

سلمتَ من الحبرِ والشعرِ والحبِّ والبيع يا صاحبي‏

سلمت قليلاً سلمتَ كثيراً‏

سلمتَ سلمتَ ولم أسلم‏

عثرتُ على الندم المستحيل‏

فلا ندمٌ بعد لم أندمِ‏